16مايو
iStock_000033444714_perfectionist

الكمالية .. ميزة أم عيب ؟

في المرحلتين الابتدائية والإعدادية ، كنت متفوقاً جداً في دراستي وأخرجُ مبكراً من الامتحانات ، إلا في امتحان التربية الفنية ( الرسم ) ، كنت آخر من ينتهي من الامتحان ولا أخرج إلا في نهاية الوقت ، وذلك لفرط اهتمامي بأدقِّ التفاصيل فيما أرسمه ، وحرصي على أن لا أترك أبداً أي فراغٍ بدون تلوين ، ومن سوء الحظ كانت دائماً مواضيع الامتحانات حول فصل الربيع أو مشهد من المدينة ، وطبعاً الموضوع الأشهر ” سلة الفواكه ” ، ورغم أني لست موهوباً في الرسم إلا أنني كنت أبذل قصارى جهدي وأرسم وألوِّن بتأنٍ ودقة ، وأذكر جيداً مُشرِفيّ الامتحان الذين كانوا يساعدونني في التلوين حتى لا ينتهي الوقت قبل أن أكمل الرسم ، هذا السلوك كَبُر معي واكتشفت لاحقاً أنه يسمى ” بالكمالية ” .

ما هي الكمالية ؟

يختلف تعريف الكماليةِ باختلاف وجهة نظرنا لها ، فهي سلوك مَرَضيٌّ من بعض الجوانب ، وتصرفٌ طبيعيٌ من جوانب أخرى ، بل وتعتبر أحياناً من صفات الناجحين ، ولكن يختلف تأثيرها باختلاف السلوك الناتج عنها .

عند السعي للكمالية ، يضع الفرد لنفسه معايير عالية جداً للأداء ، ويكافح للوصول لأهداف قد تكون أحياناً غير واقعية أو غير ممكنة التحقيق .

بالنسبة لي شخصياً أجد نفسي مهتماً ببعض التفاصيل التي تؤدي – غالباً – إلى إلغاء العمل كاملاً ، أي أنني إما أن أنفذه بنسبة 100% أو لا أنفذه على الإطلاق ، وهذا ما أدى إلى عدم تنفيذي لعدد كبير من الأفكار التي راودتني خلال الأعوام الماضية ، وبقائها حبيسة الدفاتر ، وهو كذلك ما جعلني لا أنشر إلا أفضل صوري على الإطلاق ، رغم وجود الآلاف غيرها ولكنني دائماً أجد العذر لعدم نشر هذه الصورة أو تلك ، فإذا وجدت عيباً صغيراً في الصورة فألغيها فوراً وأبقيها في الأرشيف .

أجدني الآن وبعد سنواتٍ من التفكير والتخطيط ، أدور في حلقةٍ مفرغة ، فلا إنجازات تذكر ولا شيء من أحلامي الكبيرة قد تحقق ، وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنني بقيت على حالي بل تطورت كثيراً ولكن لم أصل للمستوى المنشود ، هل هذه كمالية مرة أخرى ؟ ربما .

فيسبوك الموقع المعروف والعملاق الذي يستحوذ على جزء كبير من حياتنا اليومية ، ينتهج مع موظفيه سياسة ضد الكمالية وأدت إلى نجاحه ، في فيسبوك يقولون نعمل ثم نطور ، ومما لا يخفى على أحد أن سبب نجاح هذا الموقع هو تطوره المستمر ، في الشكل والأداء والمضمون ، حيث تؤمن فيسبوك أن الفكرة يجب إطلاقها فوراً ، ثم تعمل على تعديلها وتطويرها لاحقاً ، وبصراحة كم أتمنى لو كان الأمر بهذه السهولة بالنسبة لي ، فعلى مرِّ الأعوام لطالما راودتني العديد من الأفكار التي كنت أحياناً قاب قوسين أو أدنى من تنفيذها ولكنني أتوقف في اللحظة الأخيرة لأني لا استطيع إطلاقها ” كاملة ” كما أرغب ، وهذا خطأ فادح لو انتبهت له سابقاً لربما كنت قد حققت نجاحاً باهراً في عديد من المجالات .

لماذا كتبت هذه التدوينة ؟

لا أعلم هدفاً واضحاً لهذا الأمر ، لكن أعتقد أنني بذلك أحقق جزءاً مما أسعى إليه ، فبقاء مدونتي لأشهر عديدة بدون أن أكتب فيها حرفاً واحداً ، هو حرصي على أن لا أكتب شيئاً إلا وتتحقق منه فائدة عظيمة ، وهذا لن يحدث بطبيعة الحال دون أن يكون هناك قبلها العشرات ، ربما تكون كتابتي الآن مجرد مشاركة لما أمر به ، أو بحثاً عن نصيحة أو تحفيز ، وفي النهاية يكفيني أنني قد بحثت في هذا الموضوع وتزودت ببعض المعلومات التي ستفيدني لاحقاً في حل هذه المشكلة.

المضحك في الأمر أن هذه التدوينة موجودة في مسوداتي منذ أشهر ، ولم تستغرقني كتابتها أكثر من نصف ساعة تقريباً ، ولكني كنت دائماً “أسوف” وأؤجل كتابتها يوماً بعد يوم ، ثم بقيت التدوينة جاهزة وتنتظر النشر لعدة أشهرٍ أخرى بسبب شعوري بأنها مازالت ناقصةً وتحتاج المزيد من الإضافات !!
وعلى كل حال ، أعتقد أن مرض التسويف ليس عن الكمالية ببعيد ، ولكن سأتركه لتدوينة أخرى .

دمتم بسلام

مصدر الصورة

شارك التدوينة !

10 تعليقات

  1. انا مثلك في كل حرف كتبته، السعي إلى الكمال جعلني متأخرة كثيرا؛ كل ما كتبته في هذه التدوينة يمثلني، وأخشى أنني لن أحقق أحلامي بسبب هذا الأمر.

    • كما يقولون : معرفة المشكلة هي نصف الحل .
      إن الحل لمشكلة الكمالية هو تجاهل هذه الرغبة في نفوسنا ، والانطلاق مباشرة بدون انتظار الفرصة الأفضل أو اكتمال العمل ، أنا الآن أتبِّع خطوات لعلها تؤدي لحل هذه المشكلة ، وسأشاركها لاحقاً إن شاء الله

      شكراً لمرورك 🙂

  2. الأمر مماثل لدي، أجد نفسي مهتمة بتفاصيل دقيقة في أي شيء أقوم به و الذي يستنزفني فضلا عن استغراقي وقتا طويلا ومملا في عملي الذي قد أنهيه وقد لا افعل، وكثيرا ما جعلني ذلك احجم عن فرص لا تعوض للأسف.

    كما يقال أفضل من يعطي النصائح أسوأ من يطبقها (:
    ولكن نصيحتي لك هي أن تعتاد عدم الكمال إبدأ في صغائر الأمور افعلها بشكل سريع، وعندما تريد أن تنجز عملا حدد المخرجات التي تريدها ولا تتجاوزها.

    أخيرا السعي إلى الكمال ليس معيبا بل ميزة في المجمل ولكن قد تتحول إلى عيب عندما تقوض حياة صاحبها وتمنعه استغلال الفرص.
    دمت موفقا.

    • بالفعل هذا تماماً ما يحدث معي وكم من فرصٍ ضاعت .
      وبدأت من مدة بتطبيق الخطوات لحل هذه المعضلة ، ولعلي أوفق في ذلك وأتخلص من الكمالية بالتدريج ، وبالفعل ، السعي إلى الكمال ليس عيباً طالما يكون في حدود المعقول والمقبول .

      شكراً لك وكل التوفيق لكِ ايضاً

  3. تدوينة رائعة ولم تكن تحتاج لأن تكون في المسودات

    قد شخّصتَ ما أنا فيه وخصوصا قولك ” إما أن أنفذه بنسبة 100% أو لا أنفذه على الإطلاق ” وأيضًا مثالك عن الصور الفوتوغرافية فهذا أيضا ما كان نهجا لي ..

    الجانب المشرق أنّه ومع هذه المشكلة، هناك تطور مستمر… وقد أعجبت كثيرا بأعمالك الصوتية، والإحترافية فيها هو ما يميزها (Y) .

    الجانب الغير المشرق من هذه المشكلة أن لها مضاعفات قد تصل بصاحبها إلى ” اليأس ” أعاذني الله وإيّاك منه .

    قد نصحني بعض المقربين ببعض النصائح التي قد كتبتَ مثلها في هذه التدوينة الطيبة، وأنت قد أجملت الموضوع وأستفدتُ منه كثيرا، وأنتظر تدوينتك القادمة 🙂

    أُهنئك على شجاعتك في مشاركتِكَ ما يخطر ببالك D:

    صديقك .

    • صديقي العزيز بن والي
      كم أسعدني ردك الرائع ، وأن خربشاتي المتواضعة قد نالت إعجابك ، وأعمالي الصوتية كذلك
      بانتظارك أنتّ كذلك عزيزي لتشاركنا ما يخطر ببالك فيبدو أن في جعبتك الكثير 😀

  4. اعاني من مشكلة تشبه مشكلتك لكن اساسها ليس السعي نحو الكمال بل التشتت و التسويف بشده

    احيانا قليلة انجح في كسر العادة والتغلب على ذاتي بالانجاز واعيش تلك الايام في حالة من الرضا و الهيام في حب الذات، ولكنها لا تستمر كثيرا وترجع حليمة لعادتها القديمة، وترجع حالة عدم الاستقرار النفسي و كره افعالي و احساسي الدائم باضاعة الوقت

    على كل حال مقال اتمنى ان ارى منه سلسلة كما وعدت بالكلام عن التسويف

    • بالفعل والله التسويف مشكلة عويصة وأحياناً لا يكون لها علاقة بالكسل كما يعتقد البعض ، إن شاء الله لو أتيحت الفرصة حنكتب عنها من باب المشاركة ولعلنا نستفيدو من بعضنا صديقي وسام 🙂

  5. أعجبتني المدونة وهي تستحق النشر
    بسبب محتواها البسيط مع فائدةٍ كبيرة

ردك يثري تدوينتي :)

مُـــدونــــةُ جِـــــلِـــــيد 2016 بدعم من taimurian.com